أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
139
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
لمعروف الكرخي ، ثم معروف للسري ، ثم السري للجنيد ، ثم انتقلت إلى أرباب التربية ، فلا مدخل على اللّه إلا من باب الذكر ، فالواجب على العبد أن يستغرق فيه أوقاته ويبذل فيه جهده ، فإن الذكر منشور الولاية ولا بد منه في البداية والنهاية ، فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور ، ومن ترك الذكر فقد عزل وأنشدوا : والذّكر أعظم باب أنت داخله * للّه فاجعل له الأنفاس حراسا فبقدر ما يفنى في الاسم يفنى في الذات ، وبقدر ما يتفتّر في الفناء في الاسم يكون متفتّرا في الفناء في الذات ، فليلتزم المريد الذكر على كل حال ولا يترك الذكر باللسان لعدم حضور قلبه فيه ، بل يذكره بلسانه ، ولو كان غافلا بقلبه ، فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره ، لأن غفلتك عن ذكره إعراض عنه بالكلية ، وفي وجود ذكره إقبال بوجه ما ، وفي شغل اللسان بذكر اللّه تزيين جارحة بطاعة اللّه ، وفي فقده تعرض لاشتغالها بالمعصية . قيل لبعضهم : ما لنا نذكر اللّه باللسان والقلب غافل ؟ فقال : اشكر اللّه على ما وفق من ذكر اللسان ، ولو أشغله بالغيبة ما كنت تفعل ؟ فليلزم الإنسان ذكر اللسان حتى يفتح اللّه في ذكر الجنان ، فعسى أن ينقلك الحق تعالى من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ، أي انتباه لمعاني الذكر عند الاشتغال به ، ومن ذكر مع يقظة إلى ذكر مع وجود حضور المذكور وارتسامه في الخيال حتى يطمئن القلب بذكر اللّه ، ويكون حاضرا بقلبه ، مع دوام ذكره وهذا هو ذكر الخواص ، والأول ذكر العوام ، فإن دمت على ذكر الحضور رفعك إلى ذكر مع الغيبة عما سوى المذكور ، لما يغمر قلبك من النور ، وربما يعظم قرب نور المذكور فيغرق في النور حتى يغيب عما سوى المذكور ، حتى يصير الذاكر مذكورا والطالب مطلوبا ، والواصل موصولا ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [ فاطر : 17 ] ، أي بممتنع فقد يرفع في أعلى الدرجات من كان في أسفل